لم يكن الأمر سهلا … مطالب كثيرة و نقاط لا تنتهي لتقوية فكرة المشروع و الوصول بها إلى لغة الواقع المرئي و الأرقام المحددة و المقترحات الجديدة ..

قمت بمجوعة من الإتصالات مع شركات و مؤسسات بغية إعتمادها في التمويل و الرعاية … مراسلات تمت خلال أيام .. تبدأ بمكالمة توضيحية .. يعقبها إيميل رسمي يُرسل لمسؤلي الإدارة أو الشركة .. و رد طلبا لمزيد من الإستيضاح… يعقبه شرح و تفصيل .. و رد يحمل الرفض… يتخلل كل ذلك مكالمات لجس النبض و المتابعة مع الشخص الأول الذي تم التواصل معه ..

كان ذلك توافقا مع عودتي إلى قطاع العمل من جديد في مستشفى العسكري بعد أن تمت الموافقة على إعتذاري هذا العام على أن أعود إلى صفوف الدراسة العام القادم في جدة..

هذا يعني أن المكالمات يجب أن تتم وقت ساعات العمل .. مما يعني أن أستقطع وقتا بين المرضى لأتنقل باحثة عن دهاليز لا يسمعني فيها أحدهم لأحكي عن مشروع مجددون و ما أطلبه من دعم و مشاركة .. و مكالمات أخرى تتم بغية إستكمال حذف أوراق دراستي من الديوان العام و تتبع سيره في أورقة الخدمات المعنية بشؤون الإبتعاث و الدراسات العليا مع أصحاب المقاعد الإدارية ممن إشتهروا _ للأسف _ بالتقاعس عن أداء أدوراهم و تأجيل المعاملات الذي عايشته بنفسي معهم لأقوم بالصراخ حينا و الإستعطاف حينا آخر كل ذلك حتى لا يُحسب هذا العام الدراسي عليّ و إلا فإني سأكون مطالبة بشكل رسمي للعودة إلى عملي في الرياض عند بداية العام الدراسي الأخير لتخصصي بعد خمس سنوات من الآن وهو أمر عليّ تحاشيه من الآن إستغلالا لعميلة نقل الأوراق و إعتماد الإنسحاب و إستغلالا لوجودي فعليا في الرياض كمركز لكل هذه الإجراءات الإدارية …لأعود إلى منزلي و أكمل مكالماتي و إستعداداتي لحفل العرس التي تحدد موعده بعد ثلاثة أشهر..

لم أكن أرغب في أن تتوغل مهام مجددون في حياتي إلى هذا الحد.. و لكن هذا ما حدث و مع آخر مهمة و أنا أخوضها وحدي…  لم يكن الأمر سهلا … و في النهاية لم نحصل على أي موافقة من أي جهة .. هناك من يرفض لأسباب منطقية و آخرون يعشموني بالخير ثم لا يصلني ردهم من خلال عدم إجابتهم على مكالماتي و إتصالاتي ..

 

( إيثار ) كانت مصممة أن تقوم بإستضافتي في منزل أهلها الجديد خلال الليلتين المقرر لي الإقامة فيهما في مصر لإتمام المحاكمة.. كان إلحاحها قويا و صادقا … لم أستطع أن أبدي مبررا لإعتذاري.. في الواقع كنت فقط أريد أن أنفرد مع نفسي ليلة التحكيم لأتمكن من التدرب و تجميع شتات نفسي كما إعتدت فعل ذلك قبل أي إختبار أو مقابلة … و لكن تصميم ( إيثار ) كان أكبر من أن أعارضه ..

هناك أمر هام كان عليّ أن أذكره منذ بداية المهمة الاخيرة … ( هند جلال ) كانت جنديا مجهولا للمهمة .. قدمت لي خدمات لا يمكن لي أن أنساها أو أغفل عن ذكرها .. ( هند ) كانت تُمثل الجانب القانوني من المؤسسة وهو أهم جانب لأنها كانت تمدنا بعقود الشراكة مصاغة بطريقة قانونية و رسمية ..كانت ( هند ) توضح لنا قوانين و نصوص إفتتاح أي مؤسسة لها علاقة بهدفنا لأن نقطة كهذه يمكن أن تنسف كل جهودنا إن لم نثبت شرعية و إمكانية كل ما نقوم به وفقا لقوانين و أنظمة الدولة التي قررنا إقامة المشروع بها …

إتصالاتي بـ ( شيماء ) كانت متواصلة بغرض إيجاد شخص متخصص لعمل دراسة تخص ميزانية المشروع .. كانت بجانبها تطمئنني أن الأمور ستسير على ما يرام لتوافر عامل الوقت مقارنة بالمرة السابقة ..

على هذا الأساس سافرت … ليس هناك الكثير من الجديد.. و لكن على الأقل حاولت بقدر جهدي و بكل قوتي …

كنت قد قررت أن أعيد مشاعري في آخر يوم .. ذلك الذي كان من المفترض أن نكون قد أنهينا فيه المحاكمة ..وهو أن أعيش كل لحظة بلحظتها و أستمتع بآخر شاعات لمجددون …

أذكر جيدا لحظات جلوسي على مقعد الطائرة و هي تخترق السحب لتصل بي إلى آخر مهمة و مرحلة من هذه الرحلة الطويلة … التي حاولت تجسيد بعضا من لحظاتها و بعضا من ملامحها طوال فترة زادت عن السنة سواء في معايشتها .. و سنة أخرى إستغرقت مني لتدوينها …

حين وصلت إلى القاهرة .. كنت إتفقت مع كل من ( شيماء ) و ( هند ) أن يلتقوا بي مع ( إيثار ) في كوفي شوب محدد … و الحق أنها جميعا في مصر جميلة و مريحة و هناك زوايا كثيرة يستطيع أي شخص أن يستغلها للدراسة أو لعقد إجتماع عملي كحالنا ..

أخذنا بترتيب كل الأمور و إعادة صياغة الإلقاء… من جديد بدا لنا أن ميزانية المشروع التي قامت بإعدادها ( شيماء ) بحاجة لمزيد من المراجعة و الكثير من الإضافة … رغم أنه لم يكن هناك وقت لكل ذلك إلا أني كنت أشعر أن أعصابي باتت في ثلاجة … في حين أن ( شيماء ) كانت شديدة التوتر…الفترة التي قضيتها في الرياض قبل عودتي ليوم التحكيم كانت كفيلة بأن تُهدأ من أعصابي و تجعلني أكثر توازنا و تفهما … كنت فقط أريد أن أُحسن تقديم مشروعي و تقديم نموذج جيد للفتاة السعودية القادرة على صياغة و تقديم فكرة مشروع قد تكون مفيدة بكل ما فيها من نواقص و أخطاء …

إستغرق جلوسنا فترة طويلة حتى أتممنا تنسيق ما نريد على قدر الإمكان في حين ظل الجانب الإقتصادي في عهدة ( شيماء ) احيث قررنا أن تتولى هي تقديمه لأنها حتى لو قامت بإعداده لي فلن أستطيع شرح أي شئ منه إو الإجابة عن أي سؤال فيه .. من هذا المنطلق قررنا أن تقوم هي بتقديم الجانب الإقتصادي من المشروع .. و أعتقد أن هذه نقطة في صالحي .. لانه سيكون من المضحك أن أدعي انا ( معالي ) طبيبة الأسنان قدرتي على تقديم و إحتواء بنود هذا الجانب في حين اننا تعلمنا في مجددون أن التواصل و  الإستعانة بالمتخصصين يُعد نقطة قوة … ثم إن ظهور ( شيماء ) و إظهار إلمامها بالمشروع يعطي مبررا و تفسيرا عن كيفية إدارة المشروع في مصر في وقت إقامتي في السعودية وهو سؤال لابد و أن يواجهوني به .. سيكون مضحكا إن ذكرت أن هناك فتاة تُدعى ( شيماء ) هي من ستقوم بإدارة المشروع في حين أن اللجنة لم تتعرف عليها …

( إيثار ) كانت تعرض علينا للمرة المليون أن نتناول وجبة العشاء في أحد المطاعم القريبة … في هذه المرة كنت على إستعداد نفسي كامل لتقبل دعوتها … لم يعد هناك وقت أو فائدة من التوتر … بل على العكس .. أرغب بالإستمتاع بكل لحظة .. هي آخر ليلة من ليالي مجددون … و ليكن غدا ما يكون …

لكن ( شيماء ) العزيزة ما زالت عالقة في سيل من الأرقام و المعادلات … و توترها يتفاقم … و كثير من المكالمات تحاول من خلالها أن تجد من يعينها …_ بالطبع _  لم أستطع أن أسئلها عن سبب عدم إتمامها لكل هذا خلال الفترة الماضية … حاولنا أن نطمئنها أننا نقوم بأقصى ما في وسعنا و نرجو من الله أن لا يضيع تعبنا …

عند ذلك قررت ( إيثار ) أن تصطحبني لإتمام بعض أعمالهما في حين تظل ( هند ) بصحبة ( شيماء ) لحين نوعد إاتقائنا في المطعم القريب من المنطقة …

الجو كان رائعا .. و سكون الليل كان مريحا .. شعرت أن الليلة تستحق أن تكون آخر ليالي مجددون … كانت ( إيثار ) تواصل الإتصال بـ ( هند ) و ( شيماء ) لنلتقي في المطعم قبل أن نتأخر في الوقت فتتعرض هي للوم والديها ..

على هذا إجتمعنا و تناولنا وجبة العشاء في حين كانت ( شيماء ) تواصل إتصالاتها و لم يُمكنها توترها من تنوال لقمة واحدة … كنت أشعر بما يعتمل في نفسها … تماما كشعوري في تلك الثلاث أيام وقت إنجاز المهمة … ظهورها في الغد أمام لجنة التحكيم يزيد عبء شعورها بالمسؤولية فضلا عن ضميرها الصافي في أنها تبغي مساعدتي بالطريقة الصحيحة و اللائقة بحجم البرنامج …

كانت المعلومات قد بلغتنا أن اللجنة لن تزيد عن الثلاث محكمين اللذين إعتدنا تواجدهم .. مما خفف كثيرا من الضغط على نفسي شخصيا … و قد قررت أخيرا أن تعود إلى المنزل حيث تلتقي بأحد المختصين في مجال إعداد دراسة الجدوى و الميزانية … كان الله في عونها …

لا أدري لمَ لم أكن أشعر بشئ من التوتر .. و كأن المشروع لا يعنيني أو يخصني .. و لكني كنت مؤمنة أنه ليس بمقدوري فعل المزيد … فهذا أقصى ما أستطيعه .. و إن تمكنت ( شيماء ) من إعداد الميزانية فخير و بركة ..

ذهبت مع ( إيثار ) إلى منزلها بعد أن واعدنا ( شيماء ) و ( هند ) على اللقاء غدا صباحا في كوفي شوب آخر قبل أن نتحرك ظهرا لشركة الإنتاج كما هو مقرر..

منزل ( إيثار ) كان جديدا .. بالتالي هو مختلف عن الذي أقمنا به في المرة السابقة برفقة ( هبة ) و ( زينة ) … أحب الحميمة في إستقبال والدتها و طيب حديثها و جميل نصائحها … رتبت أغراضي في غرفة ( إيثار ) .. كنت أريد أن أنفرد بنفسي لساعة واحدة قبل أن نخلد إلى النوم ..من حسن الحظ أن ( إيثار ) لم تكلفني عناء الإدلاء بهذا المطلب لأنها إستأذنتني في رغبتها بإكمال مقالتها بالأسفل على طاولة الطعام حيث تنتظرها كمية من الأوراق كانت قد وضعتها مسبقا قبل حضوري…

بهذا شعرت أن الجو كان مثاليا للقيام بآخر  تدريب على إلقاء البريزنتيشن .. و نمت و أنا اودع آخر ليلة و متحمسة للقاء الغد حيث آخر أيام مجددون .. و أظن أن لا تأجيل في هذه المرة ..

إستيقظت صباحا … و كنت أشعر أني بحاجة لمزيد من ساعات النوم و لكن ترقب ما ينتظرني جعلني أنفض كل الكسل لأسرع و أُعِد حاجياتي … فوجئت أن ( إيثار ) لم تنم معي في غرفتها ليلا … ماهي إلا دقائق حتى جائتني و هي تضحك لتخبرني أنها لم تنم طوال الليل و ظلت تعمل على مقالتها حتى هذا الوقت … هذا ما يعجبني في ( إيثار ) عطاء متواصل لا ينتهي و قوة في تمالك أعصابها رغم كثرة المسؤوليات عليها.. تُشعرك أن كل ما عليها سهل و بسيط و ليس هناك ما يُمكن إستصعابه أو إضاعة كثير من الوقت لإنجازه … لا فرق بين ليل أو نهار .. قضاء ليلة البارحة برفقتنا سواء في الكوفي شوب أو المطعم و عودتنا إلى المنزل في وقت متأخر و بياتي في منزلها .. كل ذلك لم يكن مانعا أو عائقا لها في سبيل إكمال عملها … و ما زالت عجلة مجددون تدور فاليوم مازال طويلا و أحداثه لم تبدأ بعد …

أخذت ( إيثار ) غفوة تجاوزت الساعة في حين قمت بالتدرب مجددا على الإاقاء و ترتيب و تصنيف الملفات التي أعددتها لتوزيعها على لجنة التحكيم …

ودعنا بعدها  والدة ( إيثار ) متمنية لي حظا موفقا .. و كان اللقاء مع بقية الفريق في ذات الكوفي شوب الذي حددناه …

( شيماء ) كانت أكثر هدوءا و ثقة .. و نفسيتي كانت أكثر راحة و إنشراحا … ضحكات و قفشات تخللت آخر إجتماع لنا … و ختمت الجلسة برسالة أرسلتها سريعا على الفيس بوك إلى كل أعضاء مجددون .. هذه المرة هي آخر مرة فعلا .. و آخر مهمة .. و آخر سويعات منها ..

ذهبنا إلى أحد المساجد لتأدية صلاة الجمعة.. و إنطلقنا بعدها إلى إستديو التصوير وفقا للموعد المتفق عليه …

كنت متأملة لملاقاة الجميع .. باعتبارها آخر محاكمة لأهم و آخر مهمة …

و لكن للأسف ..لم يكن هناك سوى أ. ( خالد بركات ) المناضل معنا منذ أول مقابلة لإختيار المجددون و حتى آخر المهمة الأخيرة .. و لكن كنت أتمنى وجود أ. ( هشام سليمان ) .. د. ( محمد يحي ) .. حتى المخرج ( بايزيد ) و طاقم التصوير السوري .. لم يكن هناك كثيرون … ربما كان هذا أدعى للراحة .. فشعوري بالإحراج سيكون أقل حين تتم مناقشتي على نقاط الضعف المتراكمة في مشروعي و التي أدركها جيدا ..

 

كل التعليقات التي تلقيتها منذ أن إقترحت فكرة المشروع و أثناء تصميم و تحديد معالمه و خلال عرضه طلبا للمساعدة و الدعم و حتى هذه اللحظة .. إستطعت ان أكون صورة متكاملة و محددة عن كل عيوبه و أخطائه … و لكن لم يعد أمامي سوى الخروج بأقل الخسائر .. و لن يكون ذلك سوى بتمالك أعصابي و تقديم عرض أرجو أن يكون مشرفا ..

كني في لا أنكر.. في تلك اللحظات .. بدت أحلام الفوز تنتابني و تتعلق بمخيلتي .. لتمتزج بتصور المستقبل فيما يمكن أن يكون عليه في حالة لو نلت لقب المجددة …

لا يزال الأمل يداعب كل تصوراتنا و توقعاتنا حتى التي نعلم مسبقا نتيجتها .. و لكنه الإنسان .. أستطيع ان أقول صراحة أنه الطمع أيضا .. تجتاحني رغبة في تحقيق كل شئ… فها انا د نجحت في تأجيل داستي لاتمكن من الترفغ لها العام القادم .. حيث سأكون هناك … في بيت زوجي .. و لربما كان ابني في أحشائي.. لم لا يتوج كل ذلك بتحقيق الفوز .. ها أنا في آخر لحظة … خطوة واحدة و أشعر أني قد حققت إضافة و إنجاز أحتاج إليه لتعويض الكثير مما أضعته من وقت..

أثناء كل ذلك أخبرونا أن موعد المحاكمة سيتأخر حتى السابعة نساء بدلا من الرابعة .. قررنا حينها إصطحاب ( رحاب ) ( من مساعدي المخرج ) و تناول وجبة غداء سريعة …

بدأت أشعر بملل و صعوبة الإنتظار .. عدنا إلى مقر الإستديو .. مازالت الإستعدادات غير كاملة .. سألت أ. ( خالد بركات ) إن كان هناك تأجيل آخر فطمأنني أن لا ..

لا أدري لم أشعر لاول مرة بتسارع في نبضات قلبي … أرجو أن يكون ذلك تابعا لدواعي الإنتظار فقط .. أملا أن يختفي كل ذلك فور بدأ التصوير..

( خالد دياب ) كانت تبدو عليه بوادر القلق.. لا ألومه .. يطمح بالفوز .. في حين أني أنعم براحة معرفة النتيجة مسبقا …

و أخيرا يتم إستدعائنا لبدأ التصوير…

لا أدري لمَ لا يتوقف هذا الخفقان اللعين ..

يسألني أ. عمرو ) عن الوقت الذي سأحتاجه لعرض مشروعي .. ما بين عشرين إلى ثلاثين دقيقة .. في حين كان جواب _ خالد دياب ) أنه يريد وقتا مفتوحا للعرض… و لحسن الحظ أنهم وافقوا على طلبه لان ذلك من شانه أن يخفف من جدة التوتر أثناء العرض دون التقيد بوقت أو مدة محددة..

و تدور الكاميرات … لإلتقاط آخر مشهد لدخول لجنة التحكيم …

هذه المرة … أنا و ( خالد دياب ) فقط من ننتظر كلمة الإنطلاق من خلف باب غرفة التحكيم …كنت أشعر بالإكتئاب لفقدي لتواجد بقية المجددون.. دبلتي كانت تحيط إصبع يدي اليسرى بعد مُضي ما يزيد عن شهر على عقد القران..بهذا بدأنا التصوير..

  أعجبتني جملة أ. ( عمرو ) أن التقييم اليوم لن يكون على شخوصنا ..فقد تم إختبارنا طوال المهام السابقة حتى بلغنا هذه المرحلة.. و إنما التقييم سيكون على فكرة المشروع ..

أمر آخر .. لن يُقال للخاسر اليوم .. إحنا آسفين إنت م حتكمل معانا .. لانه لا إستكمال بعد اليوم ..

حسنا أنا مستعدة للبدأ الآن .. الإختيار يقع عليّ… هذا أفضل بالنسبة لي لأنتهي من العبأ المُلقى على عاتقي و أخوض بقية الحلقة و أنا أكثر هدوءا ..

شاهدتم عرض فكرة المشروع .. كل جملة و كل معنى أخذت و استهلكت منا الكثير لإيجادها على هذه الشاكلة و لتبرير وجودها و للإستعداد برد مُقنع للدفاع عنها في حالة سُئلت عن مضمونها …

كنت أشعر بإرتباك لم أعهده في نفسي… و ظهر ذلك جليا على نبرات صوتي المهزوزة و أذكر أن نظرة إستغراب وجهها لي أ. ( عمرو ) لان ذلك كان غريبا على شخصيتي … و لكن يبدو أن المونتاج إستطاع أن يلغي هذا الإرتجاج في صوتي مما كان له تأثير في تحيير المشاهد ما بيني و ما بين ( خالد دياب ) في إستحقاقية الفوز ..

تنفست الصعداء حين إنتهيت من العرض … و حان بعدها دور ( خالد دياب ) ..

من هنا بدت الأمور أكثر وضوحا بالنسبة لي.. و الواقع أكثر راحة … ما إن بدأ ( خالد دياب ) بعرض فكرة مشروعه إلا و شعرت بل و أدركت أنه هو المستحق الحقيقي للفوز ..

مقدمته كانت في بدايتها غامضة و لكنها كانت موجهة نحو الغرض المطلوب تماما …

صحيح أن طريقة العرض كانت إرتجالية للغاية و لم تكن رسمية وفقا لأسس العرض.. و صحيح انه أطال بشكل كبير في عرض محتوى نقاط فكرته لدرجة أن أ. ( عمرو ) طلب منه تخطي بعض النقاط المكررة ..و هي النقطة التي كانت ( إيثار ) مراهنة على نجاحي في تمكني منها .. و لكن ما لم تكن تعلمه ( إيثار ) و لا حتى أنا أن أسلوب العرض لم يكن من بنود التقييم كما أخبرنا أ. ( عمرو ) …

حينها قررت أن أجعل الحلقة أكثر إثارة .. لانه بالنسبة لي كان الفرق واضحا .. و النتيجة بالتالي بديهية .. قررت حينها أن لا أعلن هزيمتي مباشرة.. بمعنى أني مثلت أمام ( خالد دياب ) و الجميع أنني مصممة على فوزي و واثقة منه .. فأخذت بالدخول في جدال و مناقشة قوية و واسعة مع ( خالد دياب ) بغرض تهيئته للهزيمة .. في حين أني كنت واثقة من فوزه .. و الجميل أن ( خالد ) بالفعل كان يشعر بتشتت داخلي جعله شديد التوتر مُتخذا لوضع الدفاع لصد هجومي على فكرة مشروعه في حين أني كنت أود أن يبادلني هجوما بهجوم ليبدي كلا منا نقاط القوة في مشروعه …بالطبع .أ ( عمرو ) لم يقصر في هذه النقطة .. فهو أفضل و أقوى من يمكنه أن يشعر من أمامه بنقاط ضعفه إختبارا منه لقوته و تحفيزا له للدفاع عن نفسه ..

كنت أشعر بمتعة شديدة في تلك اللحظات الأخيرة.. كنت أعيشها بكامل ما فيّ دون أن تشغلني فكرة الفوز لاني أعلم أني لن أحوزها … و الدلائل حينها كانت كثيرة … منها جملة لم يتم عرضها حتى في الأجزاء السبع التفصيلية على اليوتيوب وجهها إليّ أ. ( يحي الشامي ) كانت قاية بصراحة … حين قال: يعني انا للآن مفهمتش فكرة المشروع …

جملة تعني أن رغم كل ما قدمته .. الفكرة بحد ذاتها لم تصل له … فكيف لها أن تكسب؟

الأسئلة الخاصة بنظام التوزيع المالي و التي بالطبع لم أستطع أن أجيب عليها كما يجب.. سمعت همهمات صادرة من جهة تواجد ( شيماء ) و ( إيثار ) و ( هند ) إستشفيت منها أن إجابتي خاطئة .. و بالتالي .. و منعا للوقوع في الخطأ قررت إحال السؤال على المختصة ( شيماء ) و إلا فما فائدة توليها لتقديم الجانب الإقتصادي … بالطبع لم يكن بالإمكان إدخال ( شيماء ) مرة ثانية لتجيب عن هذه الأسئلة التي كان أ. ( يحي الشامي ) هو صاحبها فالتحكيم يخصني أنا و ( خالد ) فقط بالتالي ظلت أجوبة هذه الأسئلة معلقة .. و هي ثغرة في ورقة مشروعي لها تأثيرها بالتأكيد في تقييم فكرة المشروع ..

أخيرا نقاط التقييم الأخيرة التي ذكرها أ. ( عمرو ) كانت في معظمها _ إن لم يكن جميعها _ في صالح ( خالد دياب ) .. الخبرة في إدارة مشروع مسبق متوفرة لديه .. المشروع له علاقة بتخصصه.. تواجده في ذات بلد إقامة المشروع … كلها نقاط تؤهله للفوز بإستحقاق.. فضلا عن أني أعترف أن مشروعه محدد أكثر مني وهي النقطة التي واجهني بها الجميع و كان آخر هؤلاء الجميع .أ ( عمرو ) في أول مناقشته معنا .. ثم إني تعلمت من كل محاكمات مجددون أن من يُحشر في زاوية الإتهام أكثر من الطرف الثاني فهو في الأغل الفائز الفعلي..

ضحكت بداخلي  كثيرا حين جاوبت على سؤال أ. ( عمرو ) أي المشروعين صاحب التأثير الاكبر : إحنا ما راح نقضي عمرنا و إحنا بنتفرج على أفلام ..

الضحكات التي صدرت من الجميع كانت دليلا على قوة الجملة وهو ما كنت أريده … حتى بعد أن إستأذن المخرج في توقيف التصوير بغية تبديل الأشرطة أخذ أ. ( عمرو )  يضحك وهو يحدث أ. ( يحي الشامي ): إنت شفت معالي و هي بتنغز في خالد و بتقوله مش حنمضيها أفلام …  مزيدا من الحماسة و المنافسة في آخر تحكيم لأهم مهمة لمجددون.. حين توقف التصوير في إحدى اللحظات بغية تبديل الأشرطة ..

 توقعت أن يتم حذف هذه اللقطة لأنها منافية لما تعودناه في التحكيم من الجدية الطاغية على الموقف بشكل عام و لكن من الجميل أنهم عرضوها كما هي ..

حان وقت التداول … لا يمكن أن انكر أنها كانت أشد اللحظات صعوبة … الأمل يتناطح مع الواقع .. بل مع الصواب … خرجنا وراء الباب لحين الإنتهاء من التداول الذي كنا نعلم بأسبقية البت و الحكم فيه .. في البداية طلبوا منا أن نخرج من كامل الإستديو مع بقية المتواجدين خلف الكواليس ( إيثار ) و ( هند ) … قبل أن نعود إلى الدخول مرذ علينا أ. عمرو ) و قال و هو يضحك : .أ ( يحي الشامي ) بيقول إنه ( شيماء ) ضيعت ( معالي ) و  ( مصطفى ) ضيع ( خالد دياب ) … بالطبع عبارة كهذه كانت مربكة و محزنة لـ ( شيماء ) و لكني طمئنتها .. فالدراسة الإقتصادية ليست هي الحكم الوحيد ثم إن هذا أكبر دليل على عدم جدوى هذا البند لان كلانا .. أنا و ( خالد ) غير قادرين على إستيعابه رغم الإستعانة بخبراء..

بعدها طلبوا مني و من ( خالد ) الإنتقال داخل الإستديو خلف الباب إنتظارا لإستدعاء المخرج..كان .أ ( خالد بركات ) واقفا بإنتظارنا .. ثمّنت له وقفته هذه .. فقد ظننتها من باب تثبيتنا و دعمنا نفسيا فالموقف لم يكن بسيطا على الإطلاق بطبيعة الحال .. و لكن ما أضحكني أنه كان واقفا من أجل أن يغطي بقديمه على جملة : ورشة ورق للسيناريو الذي كتبه على الأرضية الخشبية للخطاط من أجل نقلها على الشيك الكبير المُعد للفائز .. لأننا إذا قرأنا هذه العبارة فيمكن أن نستشف إسم الفائز قبل دخولنا …

في تلك اللحظات .. إنفردت قليلا بيني و بين نفسي… كان لابد من وضع حد لهذا الصراع الذي ظهر حديثا بداخلي بين الأمل و الواجب .. الواجب يعني أن أشعر بسعادة لذهاب الجائزة لمسحقها .. الواجب يعني أن أُحكّم ضميري و أعترف أنني غير قادرة على إدارة و متابعة المشروع خلال عام من الآن نظرا لظروفي القادمة .. فسيكون بالتالي مطمع بشري سخيف عليّ القضاء عليه بداخلي عن تمنيت الفوز اليوم ..

أخذت أناجي ربي.. أن يارب.. إجعل كل ما قدمته في مجددون يُحسب لي في ميزان حسناتي … و يارب أنت الحكم .. إرزق الفوز لمستحقه .. و لمن في مشروعه الخير لهذه الأمة بصدق تطبيقه و قوة أثره ..

بهذه النفسية .. و على هذا الترتيب لأفكاري دخلت من جديد إلى غرفة التحكيم لإعلان اسم الفائز .. حتى عندما سألني أ. ( عمرو ) عمن تتوقعين الفائز .. كان يمكن ان يكون جوابي دبلوماسيا كخالد دياب .. ( خمسين في المية لكلانا ) و لكني أردت لآخر لحظة أن أدافع عن فكرة المشروع .. و أن أُظهر إيماني به..

لهذا السبب كان تصفيقي قويا حين قرأت اسم مشروع ( ورق ) على الشيك الكبير.. و لهذه الأسباب كلها إبتسمت من أعماق قلبي فرحة بفوز ( خالد ) … في حين كان هو غير مصدق بل تلقى خبر فوزه وهو عاقد الحاجبين من شدة الضغط النفسي الذي كان يعتمل بداخله ..

قمنا جميعا بتهنئته و مباركة فوزه … شعوري حينها أن عبئا ثقيلا إنزاح عن كاهلي .. فلو كنت أنا الرابحة لكنت أشغلت فكري بكيفية تطويع ظروفي لإدارة مشروع كهذا سأُسأل عنه بعد عام من الآن في مجددون الجزء الثاني و سأُسأل عنه أمام الله يوم القيامة .. كان هذا هو الأصلح و الأفضل للجميع ..

لاحظت أنهم قاموا بإجراء حوار سريع مع ( خالد دياب ) .. توقعت بالبداهة أن يكون هناك آخر معي … و لكنهم لم يفعلوا … لا أقصد بذلك رغبة في الظهور على الإطلاق .. بل على العكس كان جميلا أني لم أظهر كخاسرة في البرنامج .. و لكني أرى أن في ذلك قصورا من الناحية الإخراجية .. كان لابد من طل كلمة من صاحب تجربة الفوز في ىخر مهمة و صاحب تجربة الخسارة لتون التغطية أقوى و أجمل …

على كل إتفقنا أن نلتقي على طاولة العشاء في ذات المطعم الذي إجتمعنا فيه ليلة تلقي المهمة .. بالطبع الفارق بين نفسيتي كان واضحا و جليا .. غير أننا شعرنا بإحباط كبير لعدم حضور أحد … فقط ( عمر حمدي ) و ( خالد دياب ) وأنا و ( شيماء ) و ( هند ) و ( إيثار ) التي كادت أن تنهار من أثر سهر البارحة .. و لكن حرصنا على التجمع الأخير هو ما دفعها على الموافقة على الحضور رغم موقع المطعم عن وسط البلد ..

الجميع إعتذر عن الحضور .. حتى أ. ( عمرو خالد ) و أ. ( يحي الشامي ) … أ. ( هشام سليمان ) كان اول من توقعت حضوره للمحاكمة الأخيرة و لكن للأسف ذلك لم يتم … أنا و ( إيثار ) توقعنا أن يقوموا بعمل إحتفالية بسيطة لنا جميعا بمناسبة إنتهاء الموسم الاول لمجددون مع كل ما واجهنا و مع طول مدة عملنا به … بل إن خيالنا قد شطح لابعد من ذلك .. فقد تأملنا أن تكون إدارة البرنامج قد إستعدت باقي المجددون الستة عشر لحضور المحاكمة الأخيرة و الإحتفال بإنتهاء تصوير البرنامج .. كل ذلك و أقل لم يحدث.. كان ختاما صامتا و مبتورا حتى أني أشفقت على ( خالد دياب ) لو كنت مكانه لشعرت بغصة على عدم مشاركتهم لفرحة و قيمة فوزي ..

تعليق ( خالد ) على ططريقة تداولي وقت التحكيم أضحكني و بشدة .. قال لي أني قد أربكته بحق بردودي و شدة وثوقي من الفوز في المقابل إستغرب و بشدة تلك الإبتسامة العريضة على وجهي حين أعلنوا فوزه… أن كيف لي أن اجمع بين هذه المتضادات …

ودعنا الجميع .. و عدت مع ( إبثار ) إلى بيتها … لأسافر صباح اليوم الثاني إلى الرياض .. و لتنتهي بذلك صفحة مجددون من فعاليات يومياتي القادمة …

قد تكون التجربة لا تستحق التدوين في نظر الكثيرين خصوصا ممن لم تعجبهم فكرة البرنامج أو لم يجدوا بها ذلك القدر من التشويق الذي كانوا يتوقعونه … و لكنها في النهاية تجربة من حياتي لا يمكن لي أن أهمشها .. و لا يمكن لي أن أتغاضى عن أثرها .. او أختصر بُعدها و قد تخللت مراحل و محطات هامة من حياتي ..

من حقي.. بل من واجبي أن أستفيد من هذه التجربة حتى لو ارتأى غيري عدم جدواها أو قلة أهميتها أو سطحية معناها ..

أيام و لحظات مرت .. لا يمكن أن تعود و لا أن تتكرر.. هذا ما كان يصبرني و يعينني على مواصلة الإستمرار .. أين لي أن أعود إلى لبنان للتصوير في القلعة ؟.. أو السودان لمساعدة اهل الحارات .. ؟.. أو مصر بين العشوائيات ..؟.. أو الأردن في صحرائها .. ؟؟…

كل هذا الكم من الإحتكاك و التعاطي مع وجوه و شخصيات .. كل هذه الظروف الصعبة التي مررت بها.. كل هؤلاء الأخوات الحبيبات و مشاعرهن الحبيبة التي كسبتها.. كل ذلك لايمكن أن يتواجد .. و لو على الأقل بالنسبة لي إلا في ظروف و محيط مجددون …

تحية لتلك الأيام .. و سلام لتلك اللحظات .. و دعاء و رجاء من المولى عز و جل أن يقبل منا جميعا ما بذلناه و أقدمناه و يحسبه لنا من الصالحات …

الخميس 10_3_2011

جدة_ شقة السلامة