ما بين السكوت على دواعي و مسببات سطوة الظلم إرتضاءً بدوام الحال .. و إقرارا بمبدأ إلا متعرفوش أحسن من إلا تعرفه …

و ما بين محاولة زحزحة هذا الجاثوم بكل ما يحمله ذلك من مغبة التعامل مع المجهول القادم اعتبارا لفُجاأة الحركة و خلوها من سبق التخطيط..

يتأرجح رأي عامة الناس و شواهدهم على أحداث مصر التي مر عليها قرابة عامان ..

الكفتان ثابتتان .. فمع توالي المجريات و تدفق الأوضاع .. يتقاطر مؤيدو الثورة في أول أيامها للتضافر مع المتباكيين على أيام مبارك .. يُوازن ذلك تزايد أعداد مؤيدو الثورة لربما من خارج محيط مصر ذاتها مع المواقف المستجدة خصوصا فيما يخص إسرائيل … لتبقى الكفتان متعادلتان و بذات الثبوتية إن جازت الكلمة ..

و لأن الأمور تُقاس بنتائجها .. نتفهم تخوف الكثيرون من نتائج ثورة يناير… إذ لم  يكن للثوارت السابقة سوى نصيب الشرف من المحاولة و المقاومة …

ثورة عرابي عام 1882م .. أسفرت عن إستقدام الإحتلال البريطاني لمصر..

ثورة سعد زغلول 1919م .. لم تتمكن من تحرير البلاد من التبعية البريطانيا مكتفية بإعلان إستقلالية الدولة عبر أول دستور لها ..

ثورة يوليو 1952م.. نعيش تبعاتها .. في ظل نظم الفساد التي أفرختها وسط الشعب و من خلاله..  

و عند هذه النقطة التارخية نتوقف …

كنت في زيارة لمصر .. في عام 2007م .. وقت المقابلة التي أُجريت معي بخصوص المشاركة في برنامج ( مجددون ) ..

إلتقيت بجملة من الأصدقاء قادوني لزيارة معالم ( القاهرة ) بقدر ما تُتيح لنا ساعات يوم واحد لفتيات عليهن العودة قبل حلول الظلام ..

كنا نحكي عن حال البلد .. و مدى الفقر المُدقع و حالة الضياع المادي و المعنوي التي يعيشها الشعب في ظل حكومة أخطبوطية نصَبها الشعب بيديه و صفق لها بأذرعيه ..

ثورة إستبشر بها المصريون يعد زوال عهد  تليد منذ حكم ( محمد علي باشا ) منذ 1840م و حتى سنة 1953م ..

ليأتي الحاكم هذه المرة من وسط حقولهم و مرافق تِرعهم …يحمل ذات العِرق .. و المشاعر .. و الهموم ..

و لكن الصدمة كانت أعنف من أن يصحوَ منها الشعب .. لم تتمثل فيها الإعتراضات سوى بكتيبات تحكي إعترافات أو إستعراضا لحياة بعض من نهشتهم قوى الثورة و إستبداداها ..

ليبقى المواطن آسفا على حاله .. مطحونا في مغبة متطلبات قوته .. فاقدا لأمل أي جديد أو فائدة لأي مقاومة .. فماذا  يمكنه أن يكسب بعد كل ما فقد ؟..

الإشتراك في حلقات ( مجددون ) في مصر مكنتني من رؤية ما قد لم يراه أبناء البلد ذاتها .. ذلك الفقر الذي تعدى مرحلة فقد الطعام و المؤى ليطال الكرامة و الإنسانية ذاتها.. لأذهب في المقابل لزيارة أسرة يقبع بيتها بجوار بيت الريس.. ليتمثل التناقض صارخا مؤلما أمامي..

كل ذلك و أنا أتابع و أتأمل ردود أفعال الشباب و مدى الشحن الذي ملأ أنفسهم حتى دفعهم إلى إستنطاق مصادر التاريخ و المتحدثين باسمه عن حقيقة الحُكم الملكي الذي طالما نُعِت بالخائن و المتسلط .. و عن مدى الفرق بينه و بين ما يعانوه و يكابدوه من الحُكم البديل الحالي ؟؟.حتى ظهرت المسلسلات التي برأت ساحة الأسرة الحاكمة و تلقي بالضوء على الظروف التي قادها لمصيرها الأسود على ضمانة مؤرخي السيناريو و صانعيه ليخرج المشاهد المصري تحديدا بجملة من الأسئلة التي لم يجد لها إجابة شافية ..

أكانت ثورة يوليو صوابا لإعادة حق المواطن و كرامته ؟؟

أأُعيد هذا الحق و صيغت هذه الكرامة حقا ؟؟

يا تُرى كيف هو الحال لو أن الملكية ظلت كسلطة حاكمة للبلاد؟

هل هناك مخرج مما نحن عليه و فيه الآن؟؟

ماذا أكثر من أن يكون القائد هو ابن البلد الذي لم يقُدهم حقيقة إلا للسعي وراء لقمة العيش البسيطة ليتمتع هو و أبناؤه و أتباعه بخير البلد دون أن يقوى أحد على زحزحة الثلاثين عاما كانت قابلة للزيادة رغم ادعائه الكاذب لعكس هذا .. و السابقون له ليسوا بأفضل حال لولا أن سلطان الموت أراحهم من مزيد كانوا ينونه إستكمالا لتسلط لم يسلم الناس من مغبته في سنوات حكمهم..

بل إن الفاجعة التي كان يخشاها الشعب هو تحول هذا النظام الجمهوري بالتسمية إلى ملكي عبر التوريث.. ليوغر جرح المصريين معلنا لهم عن ضياع كل قيمة لفرحتهم عبر الستون عاما المنصرمة .. هي عمر ثورة الجيش..

و مع هذا الترقب الحزين… تفتح الثورة التونسية أملا جديدا في نفس الشعب المصري… ليس في حياة أفضل .. فليس هناك زعيم قومي يلتف الشعب حوله .. و ليست هناك ثورة تقودها الثكنة العسكرية بسلطتها و قوتها ..و ما زال المجهول هو سيد الموقف و الحاكم له ..

و لكنها زفرة الخلاص … أو هي نفضة الإباء.. أو هي دفعة الظلم .. بصرف النظر عن النتائج ..لشعب عرف الحضارة منذ أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد .. و لكنه ما زال يستوطن مصاف الدول المتخلفة حتى بين جيرانه لطمع كل حاكم في   خيراته ..

لا يمكن أن نقبل بالظلم لمجرد أننا لا نملك بديلا .. أو نخشى تبديل أحوالنا .. أو أن القادم قد يكون أسوأ.. قبول الظلم بحد ذاته ظلم .. و السعي للقادم الأفضل و الأعدل يجب أن لا يتوقف.. حتى لو كان ذلك على حساب أغلى ما نملك ..

مصر حين حُكمت بالعدل في زمن يوسف عليه السلام أطعمت العالم أيام مجاعته .. و حين حُكمت بالعدل في زمن الفاروق .. كانت قوافل الطعام تُغيث الناس أيام مجاعة جزيرة العرب.. و حين حُكمت بالعدل أيام عمر بن عبد العزيز لم تجد الزكاة بيتا تستضيفه بها ..

لم يعُد من العدل أن نقيس مدى نجاح الثورة من عدمها بعدد العاطلين و بقيمة الرواتب و بمستويات الأسهم .. و إن كان العدل هو المطلب لتنفيذ و تحقيق كل ذلك .. و لكن ما أعنيه .. أن الظلم كل الظلم أن نقارن ما يكون بما كان متأسفين على هدوء الماضي و ركوده .. فلم يكن ذلك إلا ركود الوحل و تصلب مخلفاته على حواسنا …

و مع كل الثورات .. و محاولاتها .. و شهدائها .. و دمائها … قيمة واحدة تظل هي الشعار الذي ندد به و لا نقنع بسواه .. مصر يجب أن تُحكم بالعدل ..

يجب .. متى يتحق ذلك و كيف؟؟.. لا أدري.. و لكن شرف المحاولة لا بد و أن يستمر ..

كل ما آمله أن نكون ذات الجيل الذي يشهد ذاك العدل المروم.. كما كنا الجيل الذي شَرُف بالشهود على الثورة ..

ثورة يناير..

معالي ..

جدة-فيلا المحمدية

5/10/2012م