أكثر من عام و نصف مضى على بُعدي عن هذه المدونة ..

فقدت كثيرا من قُرائي .. و فوت كثيرا مما كنت أريد تدوينه …

و لربما كانت التدوينة السابقة عربون إعتذار .. أرفع من خلالها صوت كلماتي بأني كنت هنا في تلك الأيام من أحداث العام ..

لذا لم أكتب عن السبب الحقيقي وراء إنقطاعي الطويل . تلك الثورة التي غيرت مجريات حياتي .. و أوجدت لها ذلك السحر الذي لا أبغي عنه فكاكا ..

كنت أسخر دوما ممن يخفون أعمارهم  مجرجرين إياها  لسنوات مضت .. أن كيف نطوي ما فات بكل ما أنجزناه و بنيناه .. و نتحسف على ما مضى من العمر ؟

الآن .. كل ما أريده هو فعل ذات الشئ الذي طالما سخرت منه.. بتّ أريد العودة للوراء .. الوراء البعيد بعدما تبينت أن للعمر أرقام و وقفات تخضع لحسابات أخرى خارج نطاق حياتي أنا .. و كياني أنا .. و روحي أنا …

إذ أصبح لكل الـ (أنا) السابقة استنساخ آخر..و أريد لعمري أن يوازي عمره طولا و إمتدادا..

تخيل أن استنساخك هذا يجري على قدمين إثنتين محاولا التمصّل منك .. و لكنك تحول دون ذلك .. إذ كيف لك أن تأذن لنبض قلبك و نور عينيك و صدى روحك أن يسير بعيدا  بقدمين و يدين و كامل الحواس التي تمكنه من العيش منفصلا عنك .. كيف لك أن ترضى و هو في النهاية جزء منك ..؟

 كيف لبالي أن يرتاح و لنفسي أن تهدأ و أنا أشاهد الأنا .. ذلك الجزء الذي هو مني..  ينتظر أن أمده بكافة سبل الحياة .. المنفصلة عن حياتي أنا ..؟

أن يكون الـ ( أنا ) هو الـ ( أنا ) و لكل منهما متطلباته المنفصلة عن الأخرى رغم أنهما واحد..

أن تقيه من البرد و الحر.. أن تُأمن له المطعم و المشرب.. تبقيه نظيفا سعيدا .. تعلمه تهجية الحياة بكامل مفرداتها و بكل معانيها .. ترشده لمعنى النطق و كيفية النظر و سبل السمع .. أن توجد منه كاملا متكاملا .. ليكون قادرا في النهاية على مفارقتك .. هكذا فقط.. و بكل بساطة..

حينها تشعر أنك قد بلغت منتهى سعادتك و غاية أمانيك لتفارق أنت الدنيا بعدها …

فاجعة عظيمة هو معنى الحياة .. لم أدركها إلا حين وضعت مولودي الحبيب ( تركي ) …

لم أكن أريد لمعنى الأمومة أن يخلق بداخلي دون أن أدرك مصدره و أتحرى مراحل تكوين هذا الشعور الذي أعرف أنه لا يُقاس و لا يُرى و لا يُلمس.. هو موجود و كفى .. و من خلاله لا تحتاج الأم أن يوصيها أحد على ابنها … فقط هي أمه و هو ابنها.. و على هذا جُبلنا ..

لكني لا أريد للأمور أن تسير بهذه البساطة دون أن أعرف سر تكون هذا الشعور و حقيقته ..

أهو استشعار الإنسان الذي يُمثل  دور الأم أن هناك كائن ضعيف يُدعى (الابن ) يحتاج لمساعدته؟ .. ذاك يعني أن الثاني يُشغل النقص الذي هو بداخل الأول .. مما يعني أن الأمر مجرد رغبة الأم في إثبات ذاتها و إدراك أهميتها كرغبة إنسانية صرفة تتملك كل الناس ..

كدت أن أركن إلى هذا التفسير لولا أن ذات نظرات الاستجداء أجدها في عيني المريض وهو بين يدي الجراح .. و لكن تلك المشاعر سواء بتأنيثها ( أمومة ) أو بتذكيرها ( أبوة ) غير متواجدة في نفس الجراح سواء أكان رجلا أو امرأة ..

خلصت إلى تفسير ثاني مفاده أن الأمر إدراك لعظم المسؤولية تجاه هذا الكائن الصغير.. و هذا يُفسر تفاوت درجات الحرص و التربية بين الأمهات .. فليس لكل الأمهات ذات البُعد في إدراك حجم هذه المسؤولية …

من جديد .. الوظيفة بكل تبعاتها ما هي سوى مسؤولية .. و لكنني أجزم أننا نود قتلها لو كانت رجلا أو حتى امرأة ..

ما هو تفسير هذا الذي يتكون بداخلي  إذن؟… تلك المشاعر المجلجلة التي قد تقودني لأن أفدي هذا الـ ( التركي ) بحياتي و أنفاسي و ذاتي … فقط لأوصله لمرحلة يُكن بها قادرا على الأخذ بيد أخرى تُدعى ( زوجته ) لأصفق له حينها أنا جذلا و طربا مستشعرة كامل الرضا أن قد أبلغت رسالتي معه ..

حقيقة عجزت عن أن أفسر معنى تلك الأمومة العجيبة .. و لكني عالأقل نجحت في مراقبة تطورها و إستفحال أمرها … في كل يوم و في كل لحظة و ثانية .. يزيد الحب و تتزايد اللهفة و يتراكم الخوف من أن يخدش الهواء وجنتي هذا الصغير ..

في كل لفتة منه معنى جديد يُرسم على صفحة حياتي ..  كل إبتسامة تعني رقصة جديدة يرفل بها قلبي .. كل حرف يُنطق نبأ سعيد يطرب مسامعي… كل حركة يأتي بها تعني أن الحياة لا تبخل علي ببهجتها..

عددت شعرات رأسه حتى إذا سقطت واحدة فزعت لأبعد عنه كل ما قد يكون سببا في ذلك ..

راقبت بزوغ أسنانه .. حتى إذا شق آخر زدت له لقيمات يومه ..

راقبت أنفاسه حتى حفظت ترددها .. و حرصت على إستبقاء وقعها …

شرحت معنى الألوان .. و هل يمكن أن تشرح معنى اللون الأزرق او الأخضر؟

مسكت الكلمة و أوجدت لها أبعادا .. و هل لك أن تمسك بحرف واحد بيديك ؟

شممت قدميه … قبلت يديه .. لعقت عرقه … شربت دموعه .. استنشقت أنفاسه… أقحمته في كل أحلامي .. رسمت به كل بسماتي و مسحت به كل دمعاتي.. ركلت به العالم خلف ظهري .. شكلت به مدامع جديدة معظمها وهمية على أمور أخشى عليه منها في خيالي ..

لأقف عند حدود عينيه..

تلك العينان الصغيرتان كم هما جبارتين بقدرتهما على حمل هذا الكم من البراءة المُضني للناظر إليهما .. أن إذا شئت .. فادفع عمرك و شبابك و مالك و ذُب كما تذوب الشمعة لتنعم بفرحة نموي  و تدرج عمري ..

و من منا لا يريد … بل أدفع و أعطي ما طلبت و ما لم تطلب لأبلغ تلك اللحظة ..

ليست لحظة أن تمسك أنت بيد الأخرى ..

و إنما لحظة نفضك لغبار قبري … إذ يكفيني أن أنشأت بك تلك القوة التي مكنك من حمل نعشي.. يا صغيري ..

كانت هذه ثورتي التي عشت أيامها و لحظاتها على مدار عام و نصف .. أحاول جاهدة من جديد أن أعود لمدونتي الصغيرة البسيطة و تواصلي المُبهج معكم ..و لكن بإيقاع مختلف هذه المرة..

إيقاع  دبدبات ( تركي ) و رنيم صرخاته …

الخميس..

18-10-2012

منزل المحمدية