قبل المقدمة.. ينصحني أخي أشرف بعدم نشر هذه المقالة في المدونة بدعوى أن الموضوع مستهلك و دعوى نشره هو لمجرد إحياء مدونتي التي تغط في سبات عميق من حين لآخر..و رغم مخالفتي رأيه في أن الموضوع مازال قيد البحث و النقاش.. إلا أني أشكر له رأيه .. و أشكر له صبره على أن اسمي ما زال في قائمة ( مدونات أتابعها ) في مدونته الرائعة … و أستسمحه عذرا بأن أنشر المقالة في مدونتي .. لأنها هي فقط من يتسع لرأي .. و للقارئ حرية قبول أو رفض قراءة ما أكتب ..

بداية أهنئ مجلس الشورى الجديد..


بكامل أعضائه ممن تم التجديد لهم و ممن تم تعينهم و تعينهن مؤخرا..

مجلس الشورى .. هذا الصرح الضخم المهيب … سيسمع و لأول مرة منذ إنشائه وقع كعوب القوارير كمحاولة جادة لتحفيز مكانة المرأة  و إجبار المجتمع بكامل طبقاته على النظر لها بشئ من أهلية و لو كانت أهلية صورية كأهلية المجلس الذي احتلت خُمس مقاعده..

السؤال الأساسي الذي أشغلنا بطرحه طويلا منذ إصدار قرار تعيين المرأة في مجلس الشورى :

هل أنت مع أو ضد تعيين المرأة في مجلس الشورى ..

لا..

نعم..

بخصوص المجيبين بلا … فلهم – و لهن كذلك – دوافعهم التي تكاد تنحصر في منع و نبذ الإختلاط ..

أما بخصوص المجيبين بالنعم … فالأسباب و الدوافع عديدة و مركبة كل حسب نواياه و آماله ..

سأحاول أن أختزلها في النقاط التالية :

1-    تأييد مبدأ الاختلاط باعتباره سنة إنسانية تواجدت منذ الخليقة و لم يكن الأمر بالحجاب و غض البصر و عدم اللين في القول سوى لوضع الضوابط التي تعين الجنسين على إستمرارية التعامل الموزون و المحدود بها – أعني الضوابط ..و بالتالي فالأمر بتواجد المرأة في مجلس الشورى سيعني خوضها للمضمار السياسي  التشريعي اليوم و لربما القضائي و التنفيذي غدا..

2-    تعزيز صورة المرأة في مجتمع ما زال ينظر لها كعورة لدرجة تُحذر فيها الفتيات من مغبة الإقتراب من آبائهن فلعل نظرة مريبة منه تورد بها إلى التهلكة ..

3-    الأخذ برأي المرأة كجزء هام و شريحة تُمثل الأغلبية التعدادية من المجتمع في كل ما له علاقة بحقوقها المهضومة وسط المجتمع الذكوري الذي يحوطها ..

لم أقصد من مقالتي هذه طرح رأي أو إجابتي على السؤال السابق .. إذ أن رأي لا يهم أحدا … و لكني أود تحليل الأسباب السابقة التي يبرر بها الكثيرون سعادتهم  و تفائلهم بتواجد السيدات المُنتخبات في المجلس و قياس مدى واقعية تفعيلها – أقصد الأسباب -.

فيما يخص النقطة الأولى:

1-    تأييد مبدأ الإختلاط

بداية .. كلمة إختلاط تثير الإشمئزاز في نفسي… و لا أدري هل لأنها تُذكرني بعصير الموز بالحليب الذي كانت تخلطه لي أمي و أنا طفلة لأشربه قهرا و إلزاما أم لأن الكلمة أصبحت مرادفة لكل ما هو إثم و فُحش عبر خطب العلماء و محاضراتهم التي نشأنا عليها ..

و لأني لم أجد لها مرادفا آخر فسأضطر لاستخدامها من حين لآخر إن لم أستطع تحاشيها ..

فلنقل إذا التعامل المباشر ما بين الرجل و المرأة … هذا التعامل أو هذا الشئ المُسمى بالاختلاط يمكن أن يؤخذ على محملين مثله مثل كثير من الأمور التي طال الجدل حولها لإثبات حرمانيتها رغم كونها سلاحا ذو حديين .. التلفاز .. المذياع .. الأطباق الفضائية ( الدش ) و غيرها .. هناك من يسعد لترويجها و دعم مُلاكها بدافع فتح أبواب التبرج و السفور ليكون كل ذلك هو العادي مثل غيرنا من الدول .. و هناك من يرى فيها نشرا لكثير من الفائدة و المنافع الدينية و العلمية ..

كذا هو وضع الإختلاط الجاري في مجلس الشورى … تختلف النوايا المرتقبة بما هو قادم.. و لكن إن نجحت التجربة في نظر المتربصين بها  بعد مرور أربع سنوات -هو عمر الدورة- دون تقييد حالات ترقيم أو حالات خلوة غير شرعية أو تسرب مشاعر عبر اللجان أدت إلى إعلان زواج عضو شورى بزميلته العضوة و ذلك بفضل الضوابط التي فُرضت عليهن من حيث التقيد بالزي الشرعي و تخصيص باب للخروج و آخر للدخول فضلا عن مكتب منعزل و مجلس مخصص لهن أثناء عقد الجلسات ..

أقول إن نجحت هذه التجربة .. فلعل ذلك يخولها لتولي منصب وزاري في القريب العاجل..

السؤال الذي يطرح نفسه الآن …

هل سيأتي يوم نستمع فيه إلى خبر دخول أهل الحسبة إلى ذلك الصرح المهيب الفخيم لتتبع آثار هذا الاختلاط و لتذكير عضوات مجلس الشورى  بتغطية الوجه و وضع العباءة على رؤوسهن ولربما بنصحهن أن يقرن في بيتوهن كما يحدث يوميا و دوريا مع البائعات في المحلات العامة و التجارية المخصصة للمستلزمات النسائية رغم إلتزامهن بكافة القرارات و الضوابط المُعلنة في القرار الملكي السامي رقم أ/121/ و تاريخ 2/7/1432هـ و المُنفذ من قبل وزارة العمل برقم 1/1/3729/ع و تاريخ 10/8/1432هـ بشأن إيجاد فرص عمل لكم البطالة المتراكمة بين خريجات الجامعات السعودية و هي ذات الجامعات التي تخرجت منها عضوات الشورى المكرمات … ؟؟

من الفوارق الطريفة للمتأمل هنا أن دخول المرأة إلى مجلس الشورى مباشرة لم يكن له سابقة في تاريخ الإسلام ..لكن هذا لم يمنع أهل الحل و العقد من إيجاد براحة في ديننا السمح للتعامل مع مستجدات العصر بما يليق بضوابط الشريعة الغراء..

و لكن عمل المرأة في مجال التجارة هو أمر أبصرته البشرية منذ منشأها … و لم يكن العار سوى في تخليها عن دورها في بيع المستلزمات النسائية للرجل .. كل العار هو ذاك ..

إذا وجود المرأة في مجلس الشورى للتعريف بمبدأ الاختلاط أنه تعامل إنساني بين الرجل و المرأة لأداء منافع مشتركة وسط ضوابط شرعية فُرضت على الجنسين الذكر و الأنثى هذا الوجود للأسف لن يبرر تواجد المواطنة الجامعية البسيطة في نفوذها ابنة هذا البلد في السوق من أجل خدمة نفسها بتفعيل شهادتها و شغل وقتها بالمفيد و خدمة بنات جيلها بتقليل تعاملها مع الرجال فيما يمس مستلزماتها الخاصة…

معنى ذلك أن تحقيق النقطة الأولى بات غير نافذ..

للنتقل للنقطة الثانية ..

2-تعزيز صورة المرأة في مجتمع ما زال ينظر لها كعورة لدرجة تُحذر فيها الفتيات من توغل الإقتراب من آبائهن فلعل نظرة مريبة منه تورد بها إلى التهلكة ..

أذكر قصة قصيرة شهدتها لامرأة في الخمسينات من عمرها .. تسير فس ساحة الحرم النبوي الشريف في طريقها للشارع العام حيث تصطف سيارتها .. هناك أخذ يناديها أحد سائقي الـ          ( داتسون) : يا مرة يا مرة تبين أوصلك ..

إلتفت له السيدة بهدوء و هي تقول : يا إبني ما يصير تقول يا مرَة .. قول يا أخت يا ست .. ما أحد علمك كيف تتكلم مع الستات؟

فما كان من السائق إلا ان ضحك وهو يقول : يا أمي فتحنا عيوننا على ذي الدِنيا و احنا ما نعرف إلا المرة و البقرة ..  ويش اتعلم و ايش اقول .. سيبيها على ربك..

هذا المجتمع الذي يفتقد كثير من أفراده تقدير التعامل مع المرأة و جُبل بذكوريته على تنحية صوتها و رأيها بدء من المنزل و حتى الشارع..

ألم يكن في تعينها دليل ثبوتي على كونها  عنصر بشري ذو أهلية لان يعطي رأيه و يُؤخذ بمشورته؟

هل لنا أن نراهن على تقلص نسب المعاكسة في الشارع.. و انخفاض معدلات التعدي على المرأة .. و ارتفاع  ملحوظا في مستوى تعامل الزوج مع زوجته أو الأخ مع أخته أو السائق مع زبائنه ؟

لعل المؤمل هنا أيضا قليل..

النقطة الثالثة :

3-    الأخذ برأي المرأة كجزء هام و شريحة تُمثل الأغلبية التعدادية من المجتمع في كل ما له علاقة بحقوقها المهضومة وسط المجتمع الذكوري الذي يحوطها ..

النقاط تتشعب حقيقة لدى هذه النقطة ..

  • هل عضوات مجلس الشورى فعلا  ممثلات لسيدات المجتمع رغم أن تواجدهن تم بالتعيين و ليس بالانتخاب؟
  • هل هن مؤهلات فعلا للخوض في نظام السلطة التشريعية في حين – حسب السير الذاتية المعروضة –  كان مجال عملهن منحصر بين أورقة المعامل و المختبرات أو وسط الطالبات و بين الفصول .
  • ما مدى السلطة – أو فالنقل – الإمكانيات اللاتي يملكنها لنصرة قضايا العنف و الظلم ضد المرأة مقارنة بما يمكن أن تقدمه منظمة حقوق الإنسان ؟
  • هل للمجلس أصلا سلطة تشريعية حقيقية حتى نتحدى العضوات للنجاح في خوض غمار ما هو غير قائم في الأساس ؟
  • هل بدأ الاسم بحرف الـدال المنقوط (د.) شرط للاختيار و مؤهل للتعين في المجلس بالنسبة للعضوات ؟

الأسئلة ستتوالى … و الإجابات ستظل معلقة ليس بالآتي من المستقبل القريب و إنما هي مرهونة بتحديث فكر جيل بأكمله .. قادر على إيجاد من هم أهلا لشغر مقاعدهم و تفعيل أدوراهم بما فيه خدمة أبناء هذا الوطن..

و لأني لا أحب أن أكون ممن لا يحسنون سوى التشاؤم … سأظل أرقب و أنتظر ..

إذ لا أملك سوى ذلك ..

معالي فقيه

15/1/2013م

فيلا المحمدية