أحدق دوما في المرآة… لو كنت شريرة ( سنو وايت ) لسألتها ما الذي تغير عبر السنين في تضاريس الوجه الماثل أمامك و أخاديده .. و لكني لا أملك سوى أن أواجه نفسي و أسائلها … لأضطر وحدي لمواجهة الحقيقة … أن العمر يجري و يحلق بعيدا دون رجعة .. تاركا أثرا هنا عبر تجعيدة حول العين .. أو شعرة بيضاء على مفرق الرأس.. أو ومضة عين خبا توهجها عما كانت عليه … فقط ليقيم نصبا لذكراه ..ذاك العمر الراحل..


لطالما كنت أحب تمعن القمر .. في كل حالاته .. دوما أعتبره صديقي .. و دوما أحب أن أبادله النظر في كل مناسبات حياتي  و لحظاتها ..

حين كنت أسهر أيام الامتحانات .. أسرق النظر إلى النافذة لأطمئن أن هناك من يشاركني إعياء السهر ..

ليلة عرسي.. نصبته شاهدا على فرحي …

أيام عيد ميلادي … لا أخلد إلى النوم إلا و أنظر له مطمئنة إلى استمرار عرى الصداقة بيننا عبر السنوات العشر .. العشرين .. الثلاثين التي عشتها …

الآن فقط بدأت أشعر بالحنق من رؤيته.. و أورثت قلبي جفاء عليه … معايير الأيام و موازين قوى الزمان لا تلقي بأثرها على وجهه الصلد الجامد…

الآن فقط بدأت ألحظ نظراته الباردة كلما أهديته ابتسامة بلهاء … و بت أدرك أنه يُخرج لي لسانه كلما أدرت  ظهري له بعد أن أكون قد حمَلت قلبي بمثاقيل الإطمئنان إلى ثبوت عرى صداقتنا …

لم يعد هناك قمرا في عالمي.. و بتّ أرقب تكابل التجاعيد و توالد الشعيرات البيضاء على مفرق رأسي… هي البداية .. و القادم أكثر و أسوأ.. إذ ليت الأمور تتوقف على ما أنا عليه..

الرقم الذي يطلبونه منك لملأ خانة العمر هو ما يذكرنا بحقيقة الشارة التي نقف عليها في ميزان الحياة… واقعيا ليس هناك فرق في نظري بين أن أكون ابنة الخمسة عشر عاما أو ابنة الثلاثين .. فقد يكون عمر الأولى أقصر من أن تبلغ عمر الثانية … فتصبح الكفة راجحة لمن عاش أكثر.. بصرف النظر عن نقطة – أو فلنقل – عمر البداية و النهاية ..

لكن الأمر يتعدى عدد الصفحات .. و يتجاوزها إلى ثقلها ..

عما أعطينا و أنجزنا .. و عما كنا عليه .. و عن الحياة التي عشناها .. و كم مارسنا من معاني الكرامة و الإنسانية و كم فوتنا … و كم كان حظنا في أوطاننا… و ما العلم الذي أخذناه و فيما وضعناه…و كم من الوقت أهدرنا لنبحث عن ذواتنا بعد أكثر من عشر أعوام قضيناها في مدارس لم يبق من خيرها سوى ما اكتسبناه من قدرة على القراءة و الكتابة ..لا تخلو من أخطاء إملائية..  و عما نكون قد عمرنا لآخرتنا تماما كما عمرنا في دنيانا … هذا إن كنا قد عمّرنا بها.. و كم ضيعنا من أيام نلهث وراء فتات العيش طلبا لبلوغ الكريم منه لأبنائنا ..

من نتهم … و من نشكو …

و ما هو السبيل لتعويض و لو شئ  مما سلف..

و كيف السبيل لصون عمر أبنائنا مما اعترانا و أبلانا …

و  ..

و ما زال القمر يحدق بي..

ساخرا..

فأين المفر..؟

معالي فقيه

28/3/2013

جدة_منزل المحمدية