أخيرا تحينت لي الفرصة لمطالعة كتاب (أحمد عدنان)  بعنوان ( السعودية البديلة.. ملامح الدولة الرابعة ) ..

فلطالما سمعت عنه ..  إلا أن رؤيته متعذرة لمنع بيعه في السعودية .. أي البلد المعني بالكتاب..

مقدمة ( تركي الحمد ) أوجزت مضمون الكتاب : ( يعتبر أول محاولة جادة و دقيقة في متابعة حركة الإصلاح في السعودية عبر العقود الثلاثة المنصرمة )

لست بصدد ذكر محتوى الكتاب … ففي ذلك ظلم قد يتأتى باكتفاء القارئ بهذا المحتوى .. والكتاب جدير بأن يُقرأ بكامل تفاصيله و هوامشه

ما دفعني للكتابة عنه هو إزالة البلبلة المتكونة في ذهن البعض بسبب المفهوم المغلوط المتوارث عن أي كتاب يوضع في قائمة المنع.. في حين أن الكتاب جدير بالقراءة  لاحتوائه على تدوينات لمساهمات إصلاحية متتالية عبر تاريخ المملكة السعودية المعاصر.. منها ما لم يحظى بالاستجابة و منها ما وُضع قيد التنفيذ و إن كان التطبيق بطيئا …

عنوان الكتاب ربما يكون سببا مباشرا للنفور منه و استبعاده قبل الدخول في محتواه… لكن بشئ من التدقيق سنرى أنه ابتدأ باسم الدولة المرهون باسم الأسرة الحاكمة لها …

مما يعني أنه لا يحكي عن حكم بديل.. بقدر ما يحكي عن ذات الحكم بإستراتيجية و أُفق لا نقول مغايرين.. و إنما ممتدين لمراحل ثلاث قد سبقتها و ليس هناك ما يمنع من مرورها في مرحلة رابعة وفق معطيات أيدولوجية التغيير الذي نحياه و يحياه من حولنا … بدءا من حرب الخليج .. مرورا بإسقاط نظام صدام حسين في العراق و طالبان في أفغانستان .. انتهاء بالربيع العربي و ما يخلفه ..

أما المضمون .. فالكاتب نجح في  إسعاد القراء و تبشريهم بكم التفاهم و الانفتاح و الترحيب الذي يمتاز به الكثير من أولي الأمر في الاستماع أو استقبال أو حتى تأييد الآراء التي تدعو إلى إكمال مسيرة الإصلاح و القضاء على الإرهاب بكافة أنواعه …. و كان موفقا إذ عرض الخطابات المرفوعة إلى أصحاب المقام السامي المنادية للتكاتف تحت لواء الوطن ..

في ذات الوقت هو يستحث الروح الوطنية لكل مواطن للتكاتف في سبيل تسريع مشروع الإصلاح الذي دعى له خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز منذ توليه مقاليد الحكم.

من جملة الإصلاح المدون :

1- إيجاد نظم انتخابية و مؤسسات مدنية تعني بتحديد  منظومة الحكم ( التشريعية و التنفيذية و القضائية )  كل ذلك عبر دستور منصوص بصدى الأمة و محدد بقوانين تنظيمية تخص كل جهة بحسب مسؤولياتها.

2- قبول الأطراف الأخرى عبر الوظائف الدبلوماسية و المناصب الكبرى  بكافة أطيافها المذهبية أو انتماءاتها  الفكرية بما عُرف عنهم من ولاء و انتماء للبلد منذ عهد التأسيس.

3- مكافحة الإرهاب و بتر أصوله و فروعه فهو المتسبب الوحيد في تفرقة وحدة الوطن و التطاول على دماء و أرواح الناس في الداخل و إيذاء الإسلام بتشويه معانيه  و صورته في الخارج.

4- إبدال مبدأ تدوير الرجال بين المناصب العليا إلى مبدأ التبديل بغية ضخ دماء شابة و أفكار متجددة في كل ما يخص مصالح الدولة الشعب.

5- الكاتب يُبدي رأيه و رأي آخرين- كحق يُمارسه الجميع – من بعض الهيئات و الشخصيات و المفاهيم .. و للقارئ .. الحق كذلك .. في موافقته على رأيه أو مخالفته …

كل ما سبق ما هو إلا مجموعة مقالات مطولة للكاتب كان قد نشرها في صحيفة ( الأخبار ) اللبنانية .. و شبكة الإنترنت أوصلتها على طبق من فضة للجميع … لكن جمعها في كتاب واحد كان له فائدة في ربط الأحداث بتسلسل متناغم لتبدو الصورة أكثر وضوحا  لكل مواطن محب و غيور على مصلحة شعبه و تأمين مستقبل أكثر تفتحا و تنويرا لأبنائه ..

لا أدري إن كنت قد نجحت في إثراء لهفة القارئ لمطالعة الكتاب أم لا … و لكني لم أشأ أن أحظى وحدي بمتعة قراءته و الظفر بالفائدة منه  لمجرد أنه ممنوع من النشر… في رأي هي جريمة بحق القارئ السعودي قبل أن تكون بحق الكاتب .. و أعتقد أن المفاهيم الإصلاحية و الأحلام الديمقوراطية باتت ليست حكرا على المثقف السعودي.. بقدر ما أصبح الأمر حديث مجالس الرجال و النساء و ربما الطلاب في المدارس.. و بالتالي غمغمة الأمور و سربلة التكتم على كل فكرة إصلاحية قيلت من محب للبلد أو لقت إستحسانا و تجاوب من مسؤول هو أمر من شأنه أن يثير مشاعر اليأس  في النفوس.. وهو إجحاف بحق الحقيقة التي يجب أن يُباهى بها لتُستكمل معاني الإصلاح بدلا من أن تُدارى لتُقتل قبل أن يُدرك أحد وجودها من الأصل..

أخيرا … يحملني الكتاب للوقوف تحية لأصحاب السمو الملكي ممن يفتحون قلوبهم و أبوابهم  لكل دعوى إصلاحية و رأي صادق للخروج من جو السياسة البوليسية و التشدد المتطرف إلى أجواء الأمان الحقيقي و العدالة السمحة و الحرية الحقَة التي دعا لها الكتاب و السنة و التي يستحق المواطن السعودي تحديدا أن يحيا بها  طالما أن هذا هو منهج  الحكم في بلده.

تحية إلى كل من فكر و ساهم و اقترح .. و في أحايين كثيرة دفع من عمره و شبابه في سبيل إيصال مفهوم الإصلاح و إخراج البلاد من عنق زجاجة التغييب و التفرقة ..

تحية إلى الكتاب الذي مُنع قهرا و ظلما من أن يكون في متناول يد كل محب و غيور على البلد..

أخيرا للكاتب.. أحمد عدنان.. قد نتفق معه و قد نختلف .. و لكن لا يمكن أن نغبن حقه في محاولة تقديم كل ما من شأنه تقدم و تطوير إصلاح الوطن … فله منا جزيل الشكر ..

معالي إحسان فقيه ..

2 / 4 / 2013م

جدة-منزل المحمدية