و أخيرا سيبدأ عرض البرنامج بعد سويعات معدودة..

أرقب شغف أسرتي و دعوتهم للجميع لمتابعته فأشعر بحماسة تغمرني..

حسنا .. ابتسامتك هذه ذات مغزى أفهمه جيدا..

إذا أنت تعتقد أني قمت بإخطار أهلي بمشاركتي في البرنامج لأنتقل بعدها للوقوف أمام كاميرا التصوير ثم عدت لأجلس الآن بين صفوف المشاهدين و أصفق جزلا كالصغار و أنا أرى نفسي على شاشة التلفاز ..

تماما كطالب الثانوية العامة حين يقدم لك شهادته منتشيا .. فتحدثه نظراتك الباردة .. أن ماذا؟.. درست فنجحت .. الموضوع لا يستحق تسارع نبضات قلبك و غليان دمك و هذه الابتسامة الأقرب لكونها دلالة على بدء مشروع البكاء على ملامح وجهك ..

اسمح لي أن أخبرك أنك تُلغي تعب سنة كاملة بكل تفاصيلها و أبعادها و ظروفها ..

كذلك الأمر بالنسبة لي.. بدأ التحضير منذ ما يزيد عن سنة..

لم يكن الأمر سهلا .. النفاذ من العادات السوسيولوجية المتعلقة بالمجتمع عامة و بالأسرة خاصة لم يكن بالأمر الهين على الإطلاق، خصوصا في ظل والدين لم يأذنا لأبنائهما بزيارة أصدقائهم إلا في المرحلة الثانوية من الدارسة مع الأخذ بعين الإعتبار أن باب المنزل يوصد من الداخل في تمام الساعة الحادية عشر ليلا.. ولكنه هو ذات السبب الذي جعل لهؤلاء الصغار حيزا من الوقت و الجهد لاكتشاف مهاراتهم و بالتالي امتلاك فكرا مستقلا و محفوظا من الاستهلاك المراهقي..

طفولتنا طويلة و لا أدري لما حين نصل للمرحلة المتوسطة و الثانوية نجد من يلتمس العذر لتخبطاتنا الفكرية و أخطائنا السلوكية بدعوى أننا ما زلنا صغارا و مراهقين؟.. ما أؤمن به هو أن فترة المراهقة هي لتجريب مبادئ و أفكار بدأ عقلك و ضميرك يشكلانها لصياغة شخصيتك عبر ما اكتسبته و تعلمته في طفولتك.. نعم قد يكون الأمر مركبا و محيرا فالعميلة ليست سهلة بالتأكيد على قدر متعتها.. و الطبيعي هنا أن ينعكس ذلك بصورة خجل و تردد أو حماسة و اندفاع يغلف أحدهما حديثك و أفعالك .. حتى إذا ما بلغت نضجك.. و أصبح لفكرك معالم و بيانات واضحة لك و لمن يتعامل معك.. تفتق عقلك عن طُرق للعطاء و البذل من خلال حصيلة ما تملك و تعرف..

و خدمة لهذا المفهوم كان باب المنزل المزدان بلوحة مكتوب عليها ( إحسان بن جعفر فقيه ) و الواقع في حي السليمانية بالرياض يُقفل في ذلك الوقت ..القوانين واضحة و محددة و لا هوادة في التهاون معها و لا مجال لتلطيخ ما رُبيت عليه بما قد يفسده فقدان المراقبة و تمييع المتابعة من قبل الوالدين.. و لك أن تعلم أن كل ما علق في ذهنك او اكتسبته في سلوكك من خلال المجتمع الخارجي مما لا يناسب أعراف هذا المنزل ستتخلى عنه مرغما بمجرد دخولك فيه.. ليس بسبب الخوف .. فالخوف لا يُنشئ و لا يُربي.. و لكنك ستتركه حبا و ولاء و عرفانا لأهل البيت الطيبين .. حرص والدي و عطفه .. اهتمام أمي و حنانها.. طيبة إخوتي و حبي لهم .. كل ذلك يدفعني لأن أكون عند حسن ظنهم و على قدر جهدهم و عشمهم فيما بذلوه لي و ينتظرونه مني .. بالتأكيد ارتكبت بعضا من الأخطاء.. و لكن كان لدي التمييز الذي يحضني على تصحيحها.. و إن لم أتمكن أو خذلتني قرون الاستشعار بداخل ضميري ( إن كان لها قرون ) عن إدراك ما توغلت فيه .. حينها تثبتني تلك الأنسجة المتينة التي تشكلت في منزلنا عبر تلاحمنا و ترابطنا خلال سنوات تعايشنا معا .. كل بسمة لنا معا شكلت خيطا .. و كل حديث مشترك .. و كل موضوع يُناقش.. و كل لقطة.. كل لحظة .. كل فرحة .. كل دمعة .. كل نجاح .. كل إخفاق .. دوما نحن معا… و في كل مرة تتجمع الخيوط على بعضها لتكون هذا النسيج الذي لا أدري لم يفرط في تكوينه الآباء و الأبناء .. مع أنه هو مصدر الحماية و الأمان لكل فرد في عائلته .. حين تقتصر بتكوين تلك الخيوط حول نفسك بانعزالك عن أسرتك ( أيا كان موقعك ) فأنت لن تصنع سوى نسيج نفسك و هو بالتأكيد غير كاف لحمايتك و لا حتى بإمتاعك.. بقي شئ واحد لتعرف كيف تعطي للنسيج قوته و متانته..هو أن تعرف أن أفضل أوقات هتكه هي ما بعد منتصف الليل .. لذا .. أغلق باب منزلك قبل ذلك الوقت.. يكفيك تأخرا وسط أوراق عملك أو قهقهات شلتك.. و إياك أن يمر عليك اليوم دون أن تلتقي بكل أفراد أسرتك مهما تعارضت أوقات نومكم و عملكم.. احتضن أبناؤك و أسرتك من حولك .. إحكي لهم إنجازات يومك و طموح غدك.. و ثق أنهم إذا ما استيقظوا في اليوم الثاني فلن يكون في ذهنهم سوى الرغبة في تعلم و تقديم الأفضل للسير على نهجك..فيكن ذلك ديدن الأسرة كلها..

من هذا المنزل و بتلك المفاهيم انطلقت لأداء مهمتي في “مجددون” .. أعتقد أن لدي ما يمكنني من تقديم ما أطمح و إن كنت أجهل حينها تفاصيل البرنامج و لكن السؤال الأهم الذي كان يشغل بالي هو كيف سيغلق باب المنزل في تمام الساعة الحادية عشر ليلا و معالي و من يرافقها في رحلتها خارج البيت؟ .. بل خارج حدود الوطن! .. هل يمكنني.. أم هل يحق لي اختراق قانون مرّ عليه كل تلك السنون؟..

فيما يخص عملي.. ما زلت رهينة العمل الحكومي فضلا عن كوني طبيبة أسنان.. تحديدا في مستشفى القوات المسلحة بمدينة الرياض.. مما يعني أن غيابي و لفترات متكررة سيُحدث إرباكا للجميع.. خصوصا و أني أعمل في قسم كبار الضباط.. حيث عدد الأطباء محدود و عطائهم لابد و أن يكون متواصلا و تواجدهم لأجل ذلك ضروري..

على صعيد آخر.. أنا مقبلة على خوض إمتحانات قبولي للبورد السعودي في تقويم الأسنان .. الأمر يحتاج إلى تركيز و مثابرة لخوض ثلاث إمتحانات متسلسلة..

فلنعيد ترتيب الأوراق إذا و لنحكي القصة من أولها ..

بداية تلقيت مكالمة هاتفية أثناء عودتي من العمل بطلب إجراء مقابلة شخصية معي في مصر بعد أسبوع للإشتراك في البرنامج.. فكرة السفر بحد ذاتها مرعبة بالنسبة لي و لن تكون بالسهولة المتوقعة.. فضلا عن أني بحاجة إلى مزيد من التفاصيل بخصوص فكرة البرنامج و المطلوب من أدائي فيه.. من الخطأ أن يخطوا الإنسان خطوة واحدة وهو لا يعرف أين يضع قدمه.. فكيف لي أن أطرح على والدي فكرة السفر لسبب لا أعرفه لترافقني أمي لمقابلة لا أدري بخصوص ماذا؟..

كان الجواب .. “مجددون”.. حسن.. سمعت عن البرنامج عبر الصحف و موقع أ. عمرو خالد ..

لكن هذه الإجابة لا تكفي من هم على شاكلتي.. الدقة و الاستعلام عن التفاصيل من أكثر ما يميز شخصيتي.. أريد معرفة مدى المتطلبات الواجب توفرها في المشتركين لأطرحها من مجموع إمكانياتي المناسبة للبرنامج حينها أُقيّم النتيجة التي أقدم من خلالها ما يفيد مجتمعي..

المقابلة هي الطريقة الوحيدة لفك رموز المعادلة..و لتحقيقها عليّ الانتقال إلى النقطة الثانية.. إقناع أسرتي..

تجربتي القصيرة في تصوير برنامج “حوار ملون” و التي لم تزد عن خمس أيام في مدينة الكويت برفقة والدتي كانت سببا في اختصار أوراق المرافعة التي أعددتها لوالدي كي يقبل دلالاتي و دوافعي لخوض التجربة.. في الحقيقة هو لم يقبل منها شيئا.. و لكنه وافق لأنه هو من وافق و ليس لسبب من الأسباب التي قدمتها له رجاءً و استعطافا .. وافق لانه والدي و لأنني ابنته.. يريد لي الأفضل و يسعد بتحقيقي لطموحي.. و لكن خوفه و خشيته – الفطري – عليّ و على إخوتي هو ما يواجهنا به حيال مناقشة أي فكرة أو عرض.. و أتفهم هذا جيدا و لن أستغرب إن مارست ذات الأمر مع أبنائي.. نعم عني جربت و نجحت … و لكن لو أضمن أن ظروف المجتمعات العربية لن تكون أسوأ مما هي عليه اليوم فسأغير تفكيري و قناعتي بمواصلة ما يقوم به والدي معنا و سأسمح لأبنائي بالكثير في حدود تواجدي معهم .. و لكن من يضمن؟..

أمي تحمل بداخلها قوة عجيبة تجعلها تحبس مخاوفها بداخلها لتشجع أبي على قبول ما أطمح و أرغب في تحقيقه متحملة أمر مرافقتي دوما رغم كل آلام مفاصلها و متاعب ظهرها..

لقطة مستقبلية : (لن أنسى ما حييت منظرها و هي تعرج في السوق بخطوات متسارعة كي تعينني على تحضير لوازم سفري.. كدت أبكي معلنة عن ترك المهمة رفقة بهما.. لكني أشغلت نفسي بالتفكير بالطريقة التي أتمكن بها من رد بعض جميلهما من خلال مشاركتي في البرنامج )

نعود إلى سرد الأحداث.. سافرت مع والدتي إلى القاهرة صباح يوم الأربعاء الموافق 26/ 11 / 2008 .. و كعادتي في كل سفر أشعر بقبضة باردة تعتصر قلبي عند مفارقة أرض الوطن.. المدة لن تزيد عن يومين و لكني كنت أعد الثواني انتظارا لموعد إقلاع رحلة العودة..

بالرغم من ذلك حبي لمصر كان طاغيا.. كانت المرة الثانية التي زرتها فيها خلال هذا العام بعد انقطاع دام أحد عشر عاما.. أحن لها لأنها مسقط رأسي.. و لأني من عشاق التاريخ و الآثار.. و هي الرائدة في كل ذلك..

سيارة شركة الإنتاج كانت في استقبالنا.. طوال الطريق كان القلق يستبد بي حقيقة.. هل تُراني سأنجح.. هل سأكون أهلا للترشيح.. هل البرنامج بكامل تفاصيله يناسبني و يبرز ما يمكن أن أقدمه و أفيد به؟..

بعد استراحة طويلة في غرفة الفندق خرجنا أمي و أنا لتناول طعام الغذاء في مطعم الفندق.. كان حقيقة غاية في الروعة .. جلسنا في الحديقة بجوار بركة الماء تحفنا الأشجار من كل الاتجاه..

كنت منشغلة بقراءة ملف يخصني .. فيه الكثير من تجميعاتي الخاصة سواء فيما قرأته أو كتبته خلال سنوات حياتي..لا أدري بما سيفيدني و لكنه يعطي دلالة لا بأس بها عن طبيعة تفكيري و توجهي و هذا ما أحسب أنهم يريدون معرفته خلال المقابلة..

لاحظت أمي استقبال موظفي الفندق لفتاة محجبة قادمة من بوابة الفندق.. خمنَت أن تكون هذه إحدى المدعوات للمقابلة .. بعدها بلحظات رأيناها تتجول في بهو الفندق لاستكشافه.. أمي الحبيبة بطبعها الإجتماعي حثتني على مناداتها للتعرف عليها و لتقضي الوقت معنا بدلا من بقائها لوحدها..

كانت نجلاء الجزائرية.. صديقتنا التي غنمنا معرفتها في هذه الرحلة.. و صدقت تخمينات أمي إذ كانت هي الأخرى مدعوة للمقابلة.. مستوى من الأدب العجيب الذي يندر أن نصادفه كانت تتحلى به ..لطيفة و رقيقة تماما كأفلام كرتون ليدي ليدي .. بينما شعرت اني فيغا الكبير مقارنة بها..

أمضينا معها ليلة رائعة حكت لنا خلال ساعاتها عن تاريخ الجزائر المجيد و تقاليد و أعراف أهل الأمازيغ.. أثارت دهشتي بشدة حماسها و هي تروي أدق االتفاصيل لأحداث لم تعاصرها هي .. و إنما انتقلت لها و لكل جيلها الرواية كاملة عبر الأجداد اللذين أعطوا و ضحوا.. كانت تحكي بحرقة و كأنها لامست سخونة الدماء التي تدفقت من شهدائهم دفاعا عن أرضهم .. كل ذلك بسرد دقيق لتواريخ الأحداث و ذكر أسماء أبطال كل موقعة و ملحمة .. حرصها الشديد على نقل الصورة المشرّفة عن بلدها أشعرني بمدى أهمية كل تلك المعلومات مما حملني على كتابتها في أجندتي.. أحببت الجزائر لدرجة أني فكرت جادة في زيارة هذا البلد الجميل يوما .. حزنت لأننا لا نعرف عنها الكثير.. و صارحتها بعتبي عليهم لتغيبهم الإعلامي عنا.. الاحتلال تمكن من عزلهم رغم خروجه بتحريف ألسنتهم.. حين روت لي كيفية إقناع والديها بالمشاركة قالت أن والدها لا يتمكن من استيعاب كلمات .أ عمرو خالد خلال برامجه التلفزيونية لأنه يتحدث باللهجة المصرية العامة! و بالتالي لاقت صعوبة في شرح معنى مشاركتها في البرنامج و مدى تأثيره..

على كل لم يكتب لنجلاء المشاركة فيه.. و كم كنت أتمنى ذلك.. و لكن الله تعالى يدبر لنا المقادير للأفضل دوما.. تمكنت هي خلال فترة تصويرنا للبرنامج من إجتياز إمتحانات التخصص و الحصول على وظيفة ( صيدلانية ) في واحدة من شركات الدواء العالمية بالجزائر..

دعواتها لي بالتوفيق تحفني .. و تذكيرها لي بدوام الإستخارة و الثقة في تدابير الله تُطمئن نفسي.. و ما زالت هي السباقة بالاتصال و التواصل ..

في اليوم الثاني كانت سيارة شركة الإنتاج في إنتظارنا لتُقلنا إلى المكان المقرر لعمل المقابلة، كان ذلك في يوم الخميس بتاريخ 27 / 11 / 2008..

حين وصلنا تملكنا أنا و نجلاء خوف حقيقي.. الغرفة المحددة لعقد المقابلة كانت مضاءة بكاميرات التصوير القوية.. أربع من ذوي الملامح الجامدة يجلسون حول طاولة كبيرة و أحد المتقدمين أمامهم و كأنه عصفور مبلول.. كنت متلهفة لمعرفة طبيعة الأسئلة التي يطرحونها عليه.. بدأت الأفكار تختلط برأسي لشدة ما ضربت من أخماس في أسدادس..ليت موسوعة المعرفة العالمية كانت بحوزتي الآن .. لربما تاريخ الجزائر الذي حكت عنه نجلاء البارحة يفيدني.. لا أعرف مقادير عمل الكيكة الإسفنجية.. آخر عهدي بالجيران ان إبنتهم تزوجت منذ شهر .. مالذي يريدون معرفته مني بالضبط خلال هذه المقابلة؟؟!!!.. يكاد مخي ينفجر..

كان دور نجلاء قبلي.. مما زاد من اضطرابي.. لمَ تأخذ المقابلة كل هذا القدر من الوقت؟.. و لمَ ملامح اللجنة بهذا الجمود؟. لا أذكر أني دُعيت للالتحاق بدروة تجندية..!

حان دوري.. أول ما طلبته من المصورين هو إيقاف كل كاميرات التصوير.. لن أنطق بحرف واحد طالما التصوير مستمر .. لم يوافقوا على طلبي.. حاولوا إقناعي .. صممت وفقا لوجهة نظري.. طلبوا مني شرحها لأعضاء اللجنة حال دخولي.. دخلت .. بادرني من يجلس على رأس الطاولة مواجها لي.. لم ترفضين التصوير و أساسا أنت قادمة للاشتراك في برنامج تلفزيوني؟..

* أنا لم أفهم بعد مضمون البرنامج و لا أوافق أن يتم تصويري لبرنامج قد لا يوافقني لمجرد أني لبيت دعوتكم للحضور.. أنا هنا الآن لتسمعوا مني ما تريدونه و أنا أيضا أريد أن أسمع منكم ما أريده..

أعتقد أن جوابي قد أسعد أعضاء اللجنة.. ( على ما يبدو هي ليست من النوع الذي ينبهر بالأضواء.. هي تبغي معرفة ما تفعل.. وهو المطلوب ) .. هكذا فسرت التعبيرات العصبية المرتسمة على محياهم..

على ذات النسق سارت بقية المقابلة التي لم تكن سهلة على الإطلاق.. شعرت و كأني قد عُصرت عصرا لدقة الأسئلة و عمقها .. يريدون أن يعرفوا طريقة تفكيرك.. و مدى سرعة بديهتك.. و مستوى تعبيرك عن ذاتك و عن كل ما يسألونك عنه.. أفزعتني طريقتهم المتمكنة و الجادة في طرح الأسئلة و سبر أغوار النفس..و لكني أحمد الله أن قد بُليت بلاء حسنا..

في نهاية المقابلة شعرت أن كلا منا أقنع الآخر بنسب متفاوتة.. عني اقتنعت بقيمة و عمق البرنامج بشكل عام بصرف النظر عن دوري الذي تحفظوا في إخطاري بتفاصيله.. في المقابل أدركت – دون أن يخبرني أحدهم – أني قد نجحت في اجتياز الإختبار و تم قبولي.. لا أعرف كيف و لكن حين تملك تحديد جودة ما تقدمه يكون شعورك مختلف عن شعور التوهان الذي اعتدنا عليه حين نسلم ورقة الإمتحان أو ننتهي من إجراء مقابلة توظيف و لسان حالنا يقول: مادري إيش سويت بس ربنا يسهل ! ..

طُلب مني استدعاء والدتي و الإنتظار بالخارج .. بعد نقاش قصير معها أعلمتني أمي أنهم استفسروا منها عن سبب مرافقتها لي..

* إنت كبرتي و ربيتي معالي على أكمل وجه.. تستطيعي الإعتماد عليها دون حاجة لمرافقتها وقت تصوير البرنامج..
* حتى لو أقنعتني فوالدها لن يقتنع.. مرافقتي لابنتي لا تعني قلة وثوقي بها.. و لكني لا أثق بالظروف من حولها..

استفسرت منهم عن المرحلة المقبلة في حال أن تم قبولي للمشاركة.. التصوير سيكون في أول شهر من العام الجديد.. أي حوالي شهر من الآن و لمدة ثلاث أسابيع في القاهرة.. إذا هي فترة ليست بالقصيرة.. و لكن بحسبة بسيطة أدركت أن الأمر لن يؤثر على دراستي لخوض الإمتحانات خلال شهري مارس و إبريل.. يمكنني البدأ بالدراسة في شهر فبراير بعد عودتي من تصوير البرنامج.. في المقابل لدي رصيد كاف من الإجازات لنيل موافقة جهة عملي .. عليّ فقط إقناع والدي بالمشاركة في البرنامج على طول مدة السفر.. و كلي أمل في تحقيق ذلك..

في طريق عودتنا للفندق كنا أنا و نجلاء نُذكِّر بعض بأهمية الوثوق بتدبيرات الله سبحانه و تعالى

و أن الخير لن يكون إلا بما سيكتبه لنا سواء بالمشاركة من عدمها ..

أمضينا ثلاثتنا بقية الليلة في حضور عرس كان مقاما في بهو الفندق.. أعجبني حجاب العروس و لباسها المحتشم.. و لاحظت كيف أن كل العوائل الحاضرة يصطحبون صغارهم معهم لحضور الحفل .. طبعا غياب مفهوم ( الناني ) المستفحل لدينا يدفعهم قصرا لاصطحابهم.. من أجل ذلك كان لتغييب صغارنا إجتماعيا أثره على ملامح وجوههم المذهولة إذا ما حاولت ملاطفتهم بإجراء حديث بسيط معهم على عكس الأطفال اللذين أراهم هنا..

بسبب ترتيبات الحجز كانت عودتنا يوم السبت .. لذا قمت بالتنسيق مع صديقات لي على أن يكون لقاؤنا يوم الجمعة .. تعارفنا كان من خلال منتدى أ. عمرو خالد منذ ما يقارب الأربع سنوات أثمرت عن تأليف كتيب ( عباد لله .. أوائل الدفعة ) كأول منتج للمنتدى من أقلام شباب الجنة ( اسم مجموعتنا ).. حرارة اللقاء مع إخوة في الله لا يعادلها شئ.. لم يدخروا جهدا في ترتيب رحلة متكاملة لنا رغم أن معظهم كان قادما من الشرقية.. ذهبنا إلى الأهرام .. و قلعة صلاح الدين و مسجد الناصر بن قلاوون و مسجد محمد علي.. سارة لحقت بنا في حديقة الأزهر الرائعة.. كانت رحلة من العمر.. لم نتوقف خلالها عن الحديث عن أثر التاريخ الحضاري القديم على عقلية المواطنين و إن كان سداد ما يوفر حد المعيشة الكريمة مهم لتتفرغ العقول لاستيعاب هذا الأثر و الإضافة عليه.. و للأسف الأمر يصعب توفيره.. ظروف الحياة تطحن القدرات الفكرية و تقتل الروح الإبداعية..

أنهينا رحلتنا بتناول العشاء في إحدى مولات القاهرة و عدد إضافي من الصديقات انضموا إلينا.. كانت أجمل رحلة قضيتها في حياتي على قصرها .. قلوب دافئة صغيرة احتوتني خلالها بكامل الترحاب و عميق الحب.. أسماء منقوشة في ذاكرة حياتي لا يمكن أن تمحى مهما تراكمت الظروف و الأحداث.. تظل هناك مساحة حميمة في وجداني و ذاكرتي تخص شباب الجنة الطيبين أحن إلى الركون إليها .. ( أسماء، دينا، نهال، أميرة، رشا، عبير، خالو رشد الفاضل، سارة، أمل، جولا، إيمان، سمية.. و سلمى و إياد الصغيرين ) و كل من غمرني بحبه من خلال مهاتفتي ( دعاء، أم حبيبة، شيماء ..)

حنان اتصلت بي معتذرة عن عدم مكنها من الحضور و لكني فوجئت بحضورها إلى الفندق في اليوم الثاني بغية توصيلي للمطار رغم توفر المواصلات الخاصة بنا.. لا أدري تسمية لهذا الكرم المصري الأصيل في الود و التعامل الأخوي… ودعنا نجلاء على أمل اللقاء بها و دوام التواصل ( النتيّ ) معها ..حنان صممت على مرافقتنا في السيارة حتى دخولنا إلى المطار.. عدنا أمي و أنا إلى أرض الوطن الحبيب حامدين الله على أن كتبلنا التوفيق و السلامة في رحلتنا ..

اليوم أكتب هذه الذكريات في آخر ساعات أيام هذه السنة ( الخميس 31 / 12 / 2009 ) .. ألتفت لأحداث مشاركتي خلال هذا العام بنظرة العجوز لأحلام الصبى.. أهز رأسي دلالة الحكمة التي اقتنيتها من هول و صعوبة ما مرّ بعدها من أحداث و لسان حالي يقول: كم كانت سذاجتي حين ظننت أن الأمر سهلا..

و لذلك تتمة.. و كل عام و انتم بخير..

الرياض 31/ 12 / 2009